حاتم قسيمي يكتب: الحياد في القضايا الوطنية ليس فضيلة.. إنه نقيصة

حاتم قسيمي يكتب: الحياد في القضايا الوطنية ليس فضيلة.. إنه نقيصة

 

 

هناك كذبة كبيرة صدقها جيل كامل من الصحافيين، كذبة اسمها "الصحافي المحايد". وهذا كلام يصلح في تغطية حادثة سير، لكنه يصبح خيانة مهنية عندما يتعلق الأمر بالوطن.

 

الشرعي اليوم يمارس نموذجا جديدا لا نفهمه بعد، نموذج "إعلام التأثير الاستراتيجي"

+++++++++

 

مقال "خيار الحداثة" لأحمد الشرعي، نشر في شتنبر 2026، هو إعلان موقف سياسي صريح مثلما يفعل الجميع، وإن اختلفت الوسائل التي نعبر بها عن رأينا..

أعلن الشرعي، اصطفاف مجموعته إلى جانب ما سماه "المشروع الحداثي التقدمي" الذي يحمله حزب الأصالة والمعاصرة، واعتبره القوة الأقدر على قيادة المرحلة المقبلة.

وختم بالتأكيد أن هذا الموقف لا يشكل "توجيها لسلوك الناخبين" ولا "ولاء حزبيا ضيقا"، بل دعما لما وصفه بـ "خيار مغرب يجعل الحداثة ممارسة ملموسة".

برر اختياره بما سماه "الهوية التأسيسية للحزب" والتي تقوم، حسب قوله، على:

"النضال من أجل قيم الحداثة، والاعتزاز بروافد الهوية المغربية وتنوعها، ومناهضة التقوقع الإيديولوجي، والانكباب على معالجة الإشكالات المجتمعية الملحة".

انتقد مرحلة قيادة حزب العدالة والتنمية للحكومة بين 2011 و2021، معتبرا أن مرجعيته "على طرفي نقيض" مع الأفق الحداثي.

استعرض حصيلة حكومة التجمع الوطني للأحرار منذ 2021 في أوراش الدولة الاجتماعية والمبادرة الاقتصادية، لكنه اعتبرها غير كافية لمواجهة ما وصفه بـ "نزعات النكوص".

المرحلة المقبلة حسبه تستدعي قوة سياسية تضع التعليم والمعرفة والثقافة والشباب والمرأة في صلب مشروعها.

ومن هنا جاء اقتراحه الأكثر تداولا: فتح المجال أمام تولي امرأة رئاسة الحكومة، 

فالحداثة عنده ليست شعارا، بل معادلة: نمو اقتصادي + إنصاف اجتماعي + تحديث مجتمعي.

هل ما قاله الرجل يعارض لغة العقل والمنطق، ويبيح لمعارضيه تخوينه، ومحاكمته في ساحة عمومية؟

 

هنا سنقف قليلا،

الحياد في القضايا الوطنية.. نقيصة وليس فضيلة

هناك كذبة كبيرة صدقها جيل كامل من الصحافيين، كذبة اسمها "الصحافي المحايد".

 

قالوا لنا إن الصحافي الجيد هو الذي يقف في المنتصف، لا مع الدولة ولا ضدها، لا مع اليمين ولا مع اليسار. وهذا كلام يصلح في تغطية حادثة سير، لكنه يصبح خيانة مهنية عندما يتعلق الأمر بالوطن.

 

في القضايا الوطنية، الحياد ليس موضوعية، الحياد هو هروب.

الإعلام في العالم ليس محايداً

لنتوقف عن استيراد أوهام لا توجد حتى في بلدانها الأصلية.

 

في أمريكا، لا أحد محايد. فوكس نيوز جمهورية حتى النخاع، و MSNBC ديمقراطية حتى النخاع. ومالك واشنطن بوست هو نفسه مالك أمازون، اشترى الصحيفة ليحمي شركته. ومع ذلك لا أحد يتهمهم بأنهم غير مهنيين، لأنهم واضحون.

 

في بريطانيا، الـ BBC التي نعتبرها مثال الحياد، عندما قصفت الأرجنتين جزر الفوكلاند، تحولت إلى إذاعة حربية بلسان الجيش الملكي. وعندما تعلق الأمر بالبريكسيت، انقسم الإعلام البريطاني علنا بين معسكرين.

 

في فرنسا، إريك زمور انتقل من بلاطو CNews إلى الترشح لرئاسة الجمهورية مباشرة. لأنهم هناك يفهمون أن الإعلام هو سياسة بوسائل أخرى.

 

لماذا نريد نحن فقط أن نكون ملائكة محايدة في عالم لا يعترف بالملائكة؟

خذوا حالة الزميل أحمد الشرعي. رجل يملك مجموعة إعلامية، له رأي، يعبر عنه في افتتاحية موقعة باسمه. عندما كتب مساندا للمقاطعة في 2018، صفق له الجميع واعتبروه صوت الشعب. وعندما كتب قبل أيام يدعو للتصويت لكفاءة نسائية يرى فيها خيارا للحداثة، تحول فجأة إلى "شيطان" يجب رجمه.

 

ما الذي تغير؟ ليس الشرعي، بل مزاجنا المتقلب.

 

نحن لا نكره الإعلامي الذي له موقف، نحن نكره الإعلامي الذي له موقف لا يشبه موقفنا في تلك اللحظة. نريد إعلاميا حسب الطلب.

 

الشرعي اليوم يمارس نموذجا جديدا لا نفهمه بعد، نموذج "إعلام التأثير الاستراتيجي". الرجل لا يصدر جريدة يومية فقط، هو يصدر Jerusalem Strategic Tribune في واشنطن، ويجمع جنرالات من البنتاغون وإسرائيل ومسؤولين مغاربة على طاولة واحدة، ويطلق راديو أبراهام. هذا ليس عمل صحافي، هذا عمل دبلوماسي موازي. هذا ما تفعله الدول الكبرى، تضع إعلامها في خدمة مصالحها.

 

أن تختلف معه في تقييمه للتطبيع، حقك. أن تناقش جدوى دعمه لحزب دون آخر، حقك. لكن أن تحوله إلى خائن لأن له رأيا، فتلك هي النقيصة الحقيقية.

المطلوب ليس الحياد.. المطلوب الوضوح

القضية الفلسطينية قضية عادلة، وقضية الصحراء المغربية قضية وجودية، وقضية أمن المغرب واستقراره قضية غير قابلة للمساومة. في هذه الملفات الثلاثة، لا أريد صحافيا محايدا. أريد صحافيا مغربيا.

 

أريد من يقول: أنا منحاز لوطني. منحاز لوحدته الترابية، منحاز لمؤسساته، منحاز لمستقبله. ثم بعد ذلك، فليختلف مع الحكومة، مع حزب، مع وزير، كما يشاء. فالاختلاف في تدبير الشأن العام مشروع، أما الحياد في قضايا الوطن فهو انتهازية.

 

الدرس الذي تعطيه لنا كل التجارب العالمية هو: الدول القوية لا تبنى بإعلام يقف على الحياد، بل بإعلام يقف خلف وطنه، حتى لو دفع ثمن هذا الاصطفاف من شعبيته.

 

الحياد في القضايا الوطنية ليس فضيلة.. إنه نقيصة.

بقلم: حاتم قسيمي

 

مشاركة الشبكات الاجتماعية