الباحث حكيم الوردي يكتب: محمد السناوي.. رحيل قبل الأوان

الباحث حكيم الوردي يكتب: محمد السناوي.. رحيل قبل الأوان

من أشرقت بدايته أشرقت نهايته؛ ...بهذا الوضوح تشيع الحكمة العطائية روح زميلنا سمحمد السناوي لباريها لتنبأ عن مرور حتمي فوق الصراط كالبرق لما كان يقضى على أيديه من مصالح الناس...

تمنحنا الجنائز وما يحف بها من طقوس فرصة لمعرفة مقامات الرجال. ليس كواقعة منشأة لمكانة مصطنعة بحكم الانتماء السوسيواقتصادي ولكن كاشفة لاعتراف جماعي صادق بمحبة خصال إنسانية رفيعة في الفقيد.

جزء من هذا الوفاء عبر عنه اليوم حضور النقباء وتدافع الزملاء اعترافا لمحام وسيم كمسيح...عميق كمحيط....صاخب كموجة ...سخي كغيمة ...أنيق كوردة...دفاعا كصخرة

وقبل كل هذا كان محاميا من زمن الفروسية ...بحضور بهي وكاريزما طاغية ...لا يهادن في الدفاع ولا يساوم على القضية ...كما الحلاج في جبته تتلبس به المرافعة في جدبة صوفية حقيقية فتعلوا به الكلمات المنتقاة من قاموس قانوني صارم ليصوغ الدفع وينحت الوسيلة ...كراهب في دير...ملتحفا بالسواد...شامخا متجردا من ورق الحبر والمداد...يردد صمت القاعة المهيب جلجلة صوته الذي يخفت كنسمة و يعلو كهدير...فيأسر قلوب سامعيه...ويسحبهم إلى حيث يريد ...

ولأنه انتسب إلى مدرسة ارستقراطية في الدفاع فقد كانت كبريات القضايا الزجرية تحج إليه بتعقيدات وقائعها وزخم وثائقها... موقنة بكفاءته ومهنيته.. فيعكف كطبيب في مختبر يفكك طلاسمها ويرمم أوجه الحقيقة في تضاريسها...حتى إذا ولج القاعة كانت خطواته الواثقة وقامته الفارعة تشي بإيمان راسخ بعدالة القضية ...وبمعركة قانونية لا يمكنك المجازفة بولوجها ...ما لم تسلس لك اللغة ناصيتها والقاعدة القانونية زبدتها والاجتهاد القضائي أخصبه وأجوده...مع حضور بديهة ويقظة قانونية ...فالمسائل الأولية العارضة أو المعترضة والدفوع الشكلية وحتى الموضوعية...مدينة للاستاذ السناوي بالكثير من بنائها القانوني الرصين المؤيد المبثوث في بطون آلاف المذكرات التي كان حريصا على الادلاء بها تعزيزا للمرافعة الشفوية....نعم كان يرافع لساعات ولكن لا يطمئن إلا إذا زود قضاة قضيته بما يعينهم على تبيان الحق من الظلال.

كان صديقا أنيقا عميقا يجتاز بسلام مؤيديه ومعارضيه؛ لا يتورع عن التموقع والتموقف حيث للمواقف ثمن...عاش أكثر من حياة...ونذر نفسه لهموم الآخرين فأسرف على نفسه في السهر والتدخين ...غير عابئ بالمرض اللعين الذي لم يمنحه أجلا كافيا للدفاع...معلنا عن أفول قبل الأوان أو استراحة من عالم البؤس والأحزان.

في كثير من الجلسات ورغم التزامه الكهنوتي بأعراف المحاماة كان يتقدم إلى موقعي حيث أجلس كنائب عام فنتبادل السلام بحرارة كما في رياضات المبارزة إيذانا ببدء معركة قانونية بمرافعات قوية وردود ذكية وسخاء قانوني لايوقفه إلا إعلان الرئيس عن حجز الملف للمداولة...وعندما نشعر بأن ظمأنا للنقاش لم يرتو نضرب موعدا لمواصلته بمكتبي لاحتساء قهوة سوداء ...ونضرم النار في سجائر المارلبور اللعين ويمتد بنا الحكي الموزون الجميل إلى ساعات تمر مر السحاب.

عاش أنيقا في شكله ...في فكره... في مهنته ومات انيقا كعادته...لذلك لا خوف عليه في خلوته فمن أشرقت بدايته أشرقت نهايته...

حكيم وردي

26.04.2025

مشاركة الشبكات الاجتماعية